باب
وجوب طاعة ولاة الأمر في غير معصية وتحريم طاعتهم في المعصية
الدرر
السنية
شرح حديث/ من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله
أحاديث رياض الصالحين: باب وجوب طاعة
ولاة الأمر في غير معصية وتحريم طاعتهم في المعصية.
٦٧٦- وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قَالَ:
قَالَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَطَاعَني فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه، وَمَنْ عَصَاني
فَقَدْ عَصَى اللَّه، وَمَنْ يُطِعِ الأمِيرَ فَقَدْ أطَاعَني، ومَنْ يَعْصِ
الأمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي» [١] متفقٌ عَلَيْهِ.
٦٧٨- وعن أبي بكرة رضي الله عنه، قالَ: سَمِعتُ رَسُولَ
اللَّه ﷺ يقول: «مَن
أهَانَ السُّلطَانَ أَهَانَهُ اللَّه» [٢] رواه الترمذي وقال: حديثٌ
حسنٌ.
وفي الباب أحاديث كثيرة في الصحيح، وقد
سبق بعضها في أبواب.
الشرح:
لَمَّا كانتِ الجَماعةُ لا يَنصَلِحُ
أمْرُ دِينِها ودُنياها إلَّا بتَنصيبِ أميرٍ وحاكِمٍ يَقِفُ على شُؤونِهم
ويُصلِحُها، ويَفصِلُ في المُنازَعاتِ، ويَحمِلُ النَّاسَ على الحَقِّ؛ كان
وُجودُه أمرًا حَتْمًا، وطاعَتُه كذلك.
وفي هذا الحَديثِ يُوضِّحُ النَّبيُّ ﷺ أنَّ طاعَتَه ﷺ
-بفِعلِ ما أمَرَ به واجتنابِ ما نهَى عنه- مِن طاعةِ اللهِ تعالَى، وكذلك
مَعصيَتُه -بتَرْكِ ما أمَرَ به وفِعلِ ما نهَى عنه- عِصيانٌ للهِ تعالَى؛ لأنَّ
النَّبيَّ ﷺ مُبَلِّغٌ عن رَبِّه سُبحانَه.
وكذلك أوضَحَ النَّبيُّ ﷺ أنَّ طاعةَ الإمامِ والحاكِمِ مِن طاعَةِ المَولى
سُبحانَه وتعالَى، ومِن طاعةِ النَّبيِّ ﷺ،
وأنَّ مَعصيَتَه مَعصيةٌ للهِ ورَسولِه، وهو عامٌّ في كُلِّ أميرٍ عَدْلٍ
لِلمُسلِمينَ، وقد كانت قُرَيشٌ ومَن يَلِيهم مِنَ العَرَبِ لا يَعرِفونَ
الإمارةَ، ولا يَدينونَ لِغَيرِ رُؤساءِ قَبائلِهم، فلَمَّا كان الإسلامُ ووُلِّيَ
عليهمُ الأُمَراءُ أنكَرَتْه نُفوسُهم، وامتَنَعَ بَعضُهم مِنَ الطَّاعةِ، فقال
لهم ﷺ هذا القَولَ؛ لِيُعلِمَهم أنَّ طاعَتَهم
مَربوطةٌ بطاعَتِه، ولِيُطاوِعوا الأُمَراءَ الذين كان النَّبيُّ ﷺ يُولِّيهم، فلا يَستَعصُوا عليهم.
ومِنَ الأسبابِ والفَوائدِ التي تَحصُلُ
بوُجودِ الإمامِ والحاكِمِ، والتي تُوجِبُ طاعَتَه: أنَّه جُنَّةٌ، أي: سُترةٌ
ووِقايةٌ؛ لِأنَّه يَمنَعُ العَدُوَّ مِن أذَى المُسلِمينَ، ويَمنَعُ النَّاسَ مِن
أذَى بَعضِهم بَعضًا، «يُقاتَلُ مِن وَرائِه، ويُتَّقى به»، يَعني: يُقاتِلُ معه
المُسلِمونَ الكُفَّارَ والبُغاةَ وسائرَ أهلِ الفَسادِ، ويُحتَمى به ويُتَقوَّى،
ويُرجَعُ إليه في الرَّأيِ والتَّدبيرِ، فإنْ أمَرَ الإمامُ بتَقْوَى اللهِ
تعالَى، وعَدَلَ في رَعيَّتِه، كان له بذلك أجْرٌ؛ لِقِيامِه بحَقِّ اللهِ تعالَى،
وإنْ حَصَلَ منه خِلافُ ذلك -بأنْ حَكَمَ بغَيرِ العَدلِ والتَّقوَى، وأحَبَّ ذلك
وأخَذَ به؛ إيثارًا له، ومَيلًا إليه- كان عليه بَعضٌ مِنَ الوَبالِ والإثْمِ
والوِزرِ المُترَتِّبِ على صَنيعِه ذلِك، أو يَكونُ الوَبالُ الحاصِلُ كُلُّه
عليه، لا على المَأْمورِ؛ إنْ كانَ المَأْمورُ مَعذورًا بإكراهٍ ونَحْوِه.
والمُحَصِّلةُ أنَّ طاعةَ الإمامِ تَكونُ
فيما أمَرَ بما يُوافِقُ الشَّرعَ، أمَّا إذا أمَرَ بما يُخالِفُه فلا طاعةَ له في
ذلك، ولكِنْ دُونَ الخُروجِ عليه، حتَّى تَظَلَّ كَلِمةُ المُسلِمينَ مُجتَمِعةً؛
فإنَّ الخِلافَ سَبَبٌ لِفَسادِ أحوالِهم في دِينِهم ودُنياهم، وكُلٌّ مِنَ
الإمامِ والرَّعيَّةِ مَحكومانِ بما وَرَدَ في أوَّلِ الحَديثِ، وهو طاعةُ اللهِ
ورَسولِه.
وفي الحَديثِ: طاعةُ الأُمَراءِ،
وتَجريمُ مَعصيَتِهم.
وفيه: الحَثُّ على الصَّبرِ على جَوْرِ
الوُلاةِ، ولُزومِ طاعَتِهم، وعَدَمِ الخُروجِ عليهم.
وفيه: أنَّ القِتالَ يَنبَغي أنْ يَكونَ
مِن خَلفِ إمامٍ وحاكِمٍ.
وفي الحديث الثاني: مِن الوصايا
المهمَّةِ الَّتي أوصى بها النَّبيُّ ﷺ
أُمَّتَه أن يُطاعَ وليُّ الأمرِ ما لم يَأمُرْ بمعصيةٍ؛ لِمَا في ذلك من مَصالِحَ
كثيرةٍ للأمَّة، ودفْعِ مَفاسِدَ عظيمةٍ عنها.
وفي هذا الحَديثِ يقولُ الرَّسولُ ﷺ: "مَن أهان"، أي: أذَلَّه بأن آذاه أو
عَصاه في المعروفِ، وقيل: نظَر إليه بعينِ الإهانةِ، "سُلطانَ اللهِ في
الأرضِ"، والمرادُ به الحاكِمُ، وإضافتُه إلى اللهِ إضافةُ تَشريفٍ كبَيتِ
اللهِ، وناقةِ اللهِ، والمرادُ به سُلطانُ الحقِّ الواجبُ الطَّاعةِ، وإهانتُه
الإعراضُ عمَّا يجِبُ مِن امتثالِ أوامرِه واجتنابِ مُخالفتِه، والخروجُ عليه
وشّقُ عصا المسلِمين، والمعنى: أنَّ مَن أهان وانتَقَص مِن قَدْرِ مَن أعَزَّه
اللهُ بالسَّلطَنةِ، بغيرِ وجهِ حقٍّ، "أهانه اللهُ"، أي: عُوقِبَ بما
فعَل معَه، فقوبِلَت الإهانةُ بالإهانةِ، وفي إهانةِ الحاكِمِ بغيرِ وَجهِ حقٍّ
انتقاصٌ مِن هيبتِه بما يُضِرُّ بالأمَّةِ، وفيه تفريقٌ لكلمةِ المسلِمين
المتَّفِقةِ على الحاكمِ، وفيه فتحٌ لبابِ شرٍّ عظيمٍ عُلِم بالواقعِ أنَّه يكونُ
فيه فتنةٌ وقتالٌ وإضعافٌ للأمَّةِ، وكلُّ ذلك فيه مُخالَفةٌ لأوامِرِ اللهِ
ورسولِه. وقيل: المرادُ بالسُّلطانِ الدَّليلُ والبُرهانُ، وسُلطانُ اللهِ في
الأرضِ هو القُرآنُ؛ فمَن أهانه ولم يَعمَلْ به ولم يَقُمْ بما أمَر به، ويَنتهِ
عمَّا نَهى عنه- أهانَه اللهُ بكلِّ نوعٍ مِن الإهانة.
وفي الحديثِ: الحَثُّ على تَعظيمِ
أوامِرِ اللهِ الَّتي جعَل اللهُ لها سُلطانًا بما فيها من أمرٍ أو نهيٍ، أو
تحليلٍ أو تحريمٍ.
[١] صحيح البخاري: (٧١٣٧)، مسلم: (١٨٣٥).
[٢] إسناد ضعيف: أحمد (٥/٤٢، ٤٩)،
الترمذي: (٢٢٢٤)، البغوي في "شرح السنة" (١٠/٥٤)، وعلته سعد بن أوس،
وزياد بن كسيب العدوي.
الْحمْد
لِلَّه ربِّ الْعالمين
اللَّهمَّ اِرْحم مَوْتَانا
مِن المسْلمين واجْمعْنَا بِهم فِي جَنَّات النَّعِيم
تَقبَل اَللَّه مِنَّا
ومنْكم صَالِح الأعْمال
