إرشاد السّاري شرح صحيح البخاري
باب
قول الله تعالى يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق
إرشاد السّاري شرح صحيح البخاري: كِتَابُ
الحَجِّ: بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {يَأْتُوكَ
رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا
مَنَافِعَ لَهُمْ} [الحج: ٢٧].
{فِجَاجًا}
[الأنبياء: ٣١]: الطُّرُقُ الوَاسِعَةُ.
١٥١٤- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى،
حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سَالِمَ بْنَ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ
يَرْكَبُ رَاحِلَتَهُ بِذِي الحُلَيْفَةِ، ثُمَّ يُهِلُّ حَتَّى تَسْتَوِيَ بِهِ
قَائِمَةً.
الشرح:
(باب قول الله تعالى: {يَأْتُوكَ رِجَالًا}) نصب على الحال من الضمير الذي في يأتوك
وهو مجزوم جواب. قوله: {وَأَذِّن}، أي: يأتوك مشاة {وَ} ركبانًا {عَلَى
كُلِّ}
بعير {ضَامِرٍ} مهزول أتعبه بعد السفر فهزله والضامر
يستعمل بغيرها للمذكر والمؤنث {يَأْتِينَ} صفة لكل ضامر؛ لأنه في معنى الجمع {مِنْ كُلِّ فَجٍّ} طريق {عَمِيقٍ} بعيد {لِيَشْهَدُوا} ليحضروا {مَنَافِعَ لَهُمْ} [الحج: ٢٧]. دينية ودنيوية ونكرها لأن المراد بها نوع
من المنافع مخصوصة بهذه العبادة، وسبب نزول هذه الآية كما ذكره الطبري عن طريق عمر
بن ذر قال: قال مجاهد: كانوا لا يركبون فأنزل الله تعالى: {يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} فأمرهم بالزاد ورخص لهم في الركوب والمتجر،
ومن ثم ذكر المؤلّف هذه الآية هنا مترجمًا مع القدرة إلى الراحلة وعدم القدرة لأن
الآية اشتملت على المشاة والركبان.
قال المؤلّف مفسرًا لقوله تعالى في سورة نوح: {فِجَاجًا} [نوح: ٢٠] جمع فج، أي: (الطرق الواسعة) وهو
الموافق لقول الفراء وأبي عبيد والأزهري، وهو الذي ذكره البيضاوي وغيره من أئمة
التفسير. وقال ثعلب: ما انخفض من الطرق.
وبالسند قال: (حدّثنا أحمد بن عيسى) التستري المصري الأصل قال: (حدّثنا ابن وهب) عبد الله (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (أن سالم بن عبد الله) ولأبي ذر زيادة: ابن عمر (أخبره أن ابن عمر رضي الله عنهما، قال): "رأيت رسول الله ﷺ يركب راحلته بذي الحليفة" بضم الحاء المهملة وفتح اللام وسكون التحتية وفتح الفاء آخره هاء وهي أبعد المواقيت من مكة "ثم يهل" بضم أوله وكسر ثانيه من الإهلال وهو رفع الصوت بالتلبية، أي: مع الإِحرام "حتى يستوي" أي: الراحلة ولأبي ذر حين تستوي "به" حال كونها (قائمة) وهذا الحديث أخرجه مسلم والنسائي.
١٥١٥- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ
مُوسَى، أَخْبَرَنَا الوَلِيدُ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، سَمِعَ عَطَاءً،
يُحَدِّثُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ
إِهْلاَلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذِي
الحُلَيْفَةِ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ.
رَوَاهُ أَنَسٌ، وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمْ.
الشرح:
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم) ولأبي ذر إبراهيم بن موسى التميمي الحافظ
المعروف بالفراء الصغير قال: (أخبرنا الوليد) بن مسلم القرشي الأموي قال: (حدّثنا
الأوزاعي) عبد الرحمن أنه (سمع عطاء) هو ابن أبي رباح (يحدّث عن جابر بن عبد الله)
الأنصاري (رضي الله عنهما).
"أن إهلال رسول الله ﷺ من ذي الحليفة حين استوت به راحلته" قال ابن المنير: أراد المؤلّف أن
يرد على من زعم أن الحج ماشيًا أفضل؛ لأن الله تعالى قدم الرجال على الركبان فبين أنه لو كان
أفضل لفعله النبي ﷺ وإنما حج عليه الصلاة والسلام قاصدًا لذلك
ولذا لم يحرم حتى استوت به راحلته.
وفي هذا الحديث والتحديث والأخبار والسماع والعنعنة (رواه) أي: إهلاله حين
استوت به راحلته (أنس) فيما وصله في باب من بات بذي الحليفة حتى أصبح (وابن عباس
رضي الله عنهم) في باب ما يلبس المحرم من الثياب كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
الْحمْد لِلَّه ربِّ الْعالمين
اللَّهمَّ اِرْحم مَوْتَانا مِن المسْلمين واجْمعْنَا
بِهم فِي جَنَّات النَّعِيم
تَقبَل اَللَّه مِنَّا ومنْكم صَالِح الأعْمال

