باب
بيان كثرة طرق الخير
شرح
العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله
شرح
حديث/ قد جمع الله لك ذلك كله
أحاديث رياض الصالحين: باب بيان كثرة طرق
الخير.
١٤١- عَنْ أَبِي الْمُنْذِرِ أَبِي بْن
كَعْبٍ رَضِّيَّ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ لَا أعْلَمُ رَجُلًا أَبُعْدٌ
مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْهُ، وَكَانَ لَا تُخْطِئْهُ صَلَاَةً فَقِيلَ لَهُ، أَوْ
فَقُلْتُ لَهُ: لَوِ اِشْتَرَيْتُ حِمَارًا تركبه فِي الظَّلْمَاءِ، وَفِي
الرَّمْضَاءِ فَقَالٍ: مَا يَسِرْنِي أَنَّ مَنْزِلِيَّ إِلَى جَنْبِ الْمَسْجِدِ،
إنْي أُرِيدُ أَنْ يَكْتُبَ لِي مَمْشَاُي إِلَى الْمَسْجِدِ، وَرُجُوعِيَّ إِذَا
رَجَعَتْ إِلَى أَهْلِيٍّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
«قَدْ جَمَعَ اللهُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ» [١]
رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي رِوَايَةِ: «إِنَّ لَكَ مَا اِحْتَسَبَتْ».
«الرَّمضاء»: الأرضُ التي أصَابَها
الحرُّ الشَّديدُ.
الشرح:
هذا الحديث يتعلق بما قبله من الأحاديث
الدالة على كثرة طرق الخير، وأن طرق الخير كثيرة، ومنها الذهاب إلى المساجد، وكذلك
الرجوع منها، إذا احتسب الإنسان ذلك عند الله تعالى، فهذا الحديث الذي ذكره المؤلف
رحمه الله، في قصة الرجل الذي كان له بيت بعيد عن المسجد، وكان يأتي إلى المسجد من
بيته من بعد، يحتسب الأجر على الله، قادمًا إلى المسجد وراجعًا منه. فقال له بعض
الناس: لو اشتريت حمارًا تركبه في الظلماء، يعني: في الليل حين الظلام، في صلاة
العشاء وصلاة الفجر، أو في الرمضاء، أي: في أيام الحر الشديد، ولا سيما في الحجاز،
فإن جوها حار.
فقال رضي الله عنه: ما يسرني أن بيتي إلى
جنب المسجد، يعني: أنه مسرور بأن بيته بعيد عن المسجد، يأتي إلى المسجد بخطى،
ويرجع منه بخطى، وأنه لا يسره أن يكون بيته قريبًا من المسجد؛ لأنه لو كان قريبًا
لم تكتب له تلك الخطى، وبين أنه يحتسب أجره على الله عزَّ وجلَّ، قادمًا إلى
المسجد وراجعًا منه، فقال النبي ﷺ: «إن
له ما احتسب».
ففي هذا دليل: على أن كثرة الخطى إلى
المساجد من طرق الخير، وأن الإنسان إذا احتسب الأجر على الله كتب الله له الأجر
حال مجيئه إلى المسجد وحال رجوعه منه.
ولا شك أن للنية أثرًا كبيرًا في صحة
الأعمال، وأثرًا كبيرًا في ثوابها، وكم من شخصين يصليان جميعًا بعضهما إلى جنب
بعض، ومع ذلك يكون بينهما في الثواب مثل ما بين السماء والأرض، وذلك بصلاح النية
وحسن العمل، فكلما كان الإنسان أصدق إخلاصًا لله وأقوى اتباعًا لرسول الله ﷺ كان أكثر أجرًا، وأعظم أجرًا عند الله عزَّ
وجلَّ، والله الموفق.
[١] صحيح مسلم: (٦٦٣).
الْحمْد لِلَّه ربِّ الْعالمين
اللَّهمَّ اِرْحم مَوْتَانا مِن المسْلمين واجْمعْنَا
بِهم فِي جَنَّات النَّعِيم
تَقبَل اَللَّه مِنَّا ومنْكم صَالِح الأعْمال

